أبي هلال العسكري

57

الصناعتين ، الكتابة والشعر

حللت محلّا يقصر الطّرف دونه * ويعجز عنه الطّيف أن يتجشما « 1 » وقول النابغة « 2 » : ولست بمستبق أخا لا تلمّه * على شعت ، أىّ الرجال المهذّب ؟ وليس لهذا البيت نظير في كلام العرب . وقال بعضهم : نظيره قول أوس بن حجر : ولست بخابئ أبدا طعاما * حذار غد ، لكلّ غد طعام وهذا وإن كان نظيره في التأليف فإنه دونه لما تكرّر فيه من لفظ « غد » . فإذا كان الكلام قد جمع العذوبة ، والجزالة ، والسهولة ، والرّصانة ، مع السلاسة والنصاعة ، واشتمل على الرّونق والطّلاوة ، وسلم من حيف « 3 » التأليف ، وبعد عن سماجة التركيب ، وورد على الفهم الثاقب قبله ولم يردّه ، وعلى السّمع المصيب استوعبه ولم يمجّه ؛ والنفس تقبل اللطيف ، وتنبو عن الغليظ ، وتقلق من الجاسى « 4 » البشع ؛ وجميع جوارح البدن وحواسّه تسكن إلى ما يوافقه ، وتنفر عمّا يضادّه ويخالفه ؛ والعين تألف الحسن ، وتقذى بالقبيح ؛ والأنف يرتاح للطيب ، وينغر « 5 » للمنتن ؛ والفم يلتذّ بالحلو ، ويمجّ المرّ ؛ والسمع يتشوّف للصواب الرائع وينزوى عن الجهير الهائل ؛ واليد تنعم باللّين ، وتتأذّى بالخشن ؛ والفهم يأنس من الكلام بالمعروف ، ويسكن إلى المألوف ، ويصغى إلى الصواب ، ويهرب من المحال ، وينقبض عن الوخم ، ويتأخّر عن الجافي الغليظ ، ولا يقبل الكلام المضطرب إلا الفهم المضطرب ، والرويّة الفاسدة . وليس الشأن في إيراد المعاني ، لأنّ المعاني يعرفها العربىّ والعجمىّ والقروي

--> ( 1 ) التجشم : التكلف على مشقة . ( 2 ) ديوانه : 13 ، والموشح : 23 . ( 3 ) الحيف : الميل . ( 4 ) الجاسى : الصلب الغليظ . ( 5 ) نغر - بفتح الغين وكسرها : غضب واغتاظ ، من نغر القدر وهو غليانها وفورها . أو من نغر الجرح : إذا سال منه الدم .